الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة "بوليس" لمجدي السميري : فيلم أكشن تونسي ينافس مشاهد الأكشن الهوليودية... لكن

نشر في  18 نوفمبر 2024  (21:11)

يقول ماكسويل في كتابه " الموهبة لا تكفي أبدا" (يفترض الكثيرون أن الموهبة وحدها سوف تبقيهم في المقدمة، ولكنهم لا يدركون الحقيقة وهي أنهم لو ركنوا إلى موهبتهم فقط فسرعان ما سيسبقهم الآخرون ويتفوقون عليهم). لذلك فإن أي شخص يرغب في تحقيق النجاح يحتاج لأكثر من مجرد الموهبة وهنا نتحدث عن الاصرار والعمل الجاد .

ثنائية الموهبة والإجتهاد استحضرناها ونحن نشاهد فيلم "بوليس" للمخرج الشاب مجدي السميري فهذا المخرج لم يكتف بموهبته في الإخراج بل نحتها وصقلها وتعلم أبجدياتها بكثير من الإصرار والعمل والإجتهاد وهو ما جعله يفرض إسمه وعن جدارة في المشهد السينمائي وخاصة في مجال الاخراج.

فمن مغني راب يدعى "ماجي" الى ممثل ثانوي في فيلم "ٱخر فيلم" للنوري بوزيد الى إنتاج اعلانات تجارية الى الكتابة والإخراج ومن هنا بدأ يبرز إسم المخرج الشاب مجدي السميري حيث اكتشفناه في سلسلة "هابي ناس" ثم تتالت التجارب مع مسلسل "ليلة الشك" و"اختيار اجباري" والقضية 460" و"النحات" و"اختيار اجباري" وفيلم "الثلاثاء 12" وغيرها من الأعمال التي تركت بصمتها بشهادة النقاد والتتويجات قبل أن يتميز في إخراج السلسلة الكوميدية "بوليس حالة عادية".. سلسلة حققت نسب مشاهدة عالية في نسخها الثلاث قبل أن يستلهم منها السميري نسخة سينمائية وهنا نتحدث عن الحدث هذه الأيام في المشهد الثقافي السينمائي وهو صدور فيلم "بوليس" الذي تابعناه في عرضه قبل الأول مساء الأحد 17 نوفمبر بمدينة الثقافة الشاذلي القليبي بحضور نجوم العمل وعدد هام جدا من الفنانين والممثلين والاعلاميين..

الحالة لم تكن عادية مساء الأحد بالبهو الخارجي لمدينة الثقافة حيث تم وضع السجاد الاحمر لإستقبال ضيوف "بوليس" وتزينت قاعة الاوبرا بأفيش الفيلم وصور أبطاله كما توزع الأمن بصورة لافته في كامل أرجاء المكان تماشيا مع موضوع هذا العمل السينمائي. فيلم ''بوليس" انتاج مجموعة "3 اس جي" توزيع مجموعة القوبنطيني تمثيل كمال التواتي، الشاذلي العرفاوي، ريم بن مسعود، نضال السعدي، جميل النجار، والممثلة اللبنانية كارول عبود. كما شارك في الفيلم كل من منى نور الدين والبحري الرحالي وفاطمة بن سعيدان اضافة الى انس جابر التي سجلت حضورها كضيفة شرف.

ويُعد الفيلم إمتدادا لسلسلة "بوليس حالة عادية" التي شاهدناها تلفزيا طيلة 3 مواسم حيث ينطلق الفيلم بالإستنجاد بالفرقة المختصة والمتكونة من خمسة ضباط نخبة بعد أن تم حل الفرقة مدة خمس سنوات نتيجة تورط رئيسها في عملية تبييض أموال واستقراره في "بنما" ( وهنا يدفعنا مجدي السميري الى استحضار قضية وثائق بنما وتبييض الأموال )..

تنطلق الأحداث بمشهد كوميدي ساخر يجمع بين الممثلة منى نور الدين التي تجسد شخصية "ليلى" رئيسة الحكومة والبحري الرحالي في دور "قيس" وزير الداخلية وزوجها كذلك. تتحدث ليلى عن جريمة هدفها القضاء على البشرية من خلال تفجير قنبلة نووية وتكشف عن مهمة سرية استخباراتية للقضاء على رئيس المافيا "بوريس" الذي بحوزته القنبلة.

يتم إستدعاء الفرقة المختصة "بوليس" والمتكونة من القائد رشيد ويجسد الدور كمال التواتي ورجب (الشاذلي العرفاوي) وهيفاء (ريم بن مسعود) وسيف (جميل النجار) ودالي بن عمر (نضال السعدي) وهو ضابط بالجيش الوطني يلتحق بالفرقة كعنصر جديد تعويضا لشخصية عمار الذي سبق وجسدها الممثل لطفي العبدلي.

تتسارع الأحداث مع الكثير من الحركة والإثارة والأكشن من أجل إنقاذ البشرية والقضاء على العصابة فتتحول الفرقة الى اليابان ومنها الى بريطانيا ثم الى مصر في عمليات مطاردة لرئيس العصابة.

لا يختلف اثنان أن جماهيرية أفلام الأكشن واسعة، وتزداد اتساعا حين تكون أفلام أكشن كوميدية، إذ تجتمع متعة الإثارة والحركة مع الطرافة والمواقف المضحكة وهذا ما جسده فيلم "بوليس" حيث حضرت مشاهد الأكشن والإثارة من خلال عمليات المطاردة والإشتباكات وتخللها مواقف طريفة ومضحكة أبدع فيها الممثل الشاذلي العرفاوي في دور رجب حيث بان بالكاشف أن العرفاوي عرف كيف يستغل هذا الدور على أحسن وجه ويبرز شخصيته الكوميدية خاصة مع منحه مساحة هامة في العمل ولعل غياب لطفي العبدلي الذي استحوذ على المواقف الكوميدية في النسخة التلفزية كان عبارة عن فرصة لإبراز شخصية رجب (رب ضارة نافعة).

دون أن ننسى المواقف الطريفة والأداء المتميز والمحترف للممثل كمال التواتي أو حرباء التمثيل الذي يتلون مع الشخصيات ويمنحها بصمته الخاصة سواء الكوميدية او الدرامية..

من أبرز نقاط قوة فيلم "بوليس" الصورة حيث تميز السميري ومنح هذا العمل عصارة خبرته خاصة من ناحية المؤثرات الصوتية والبصرية فقد كانت المشاهد قريبة أو لنقل موضع الند للند مع مشاهد الأكشن الهوليودية من ناحية التصوير والاخراج.

والمتابع لأحداث فيلم "بوليس" يتماهى معها ويغيب عنه أثناء الفرجة أن كل تلك الأحداث تم تصويرها في تونس وهنا نتحدث عن أهمية عنصر المونتاج أو ما بعد الإنتاج حيث يخيل اليك وأنت تتابع أحداث العمل أنه تم فعلا تصوير المشاهد باليابان ومصر وموسكو وبريطانيا والحال أن فريق العمل إعتمد على تقنية إقتناء هذه المشاهد الخارجية دون الحاجة الى السفر وهنا نشيد بتميز الجانب التقني لفيلم "بوليس".

ثنائية الهزل والجد وإثارة قضايا هامة بروح فكاهية وساخرة من أحد أهم ميزات فيلم "بوليس" كذلك حيث تم التطرق الى عدة مواضيع شائكة أثناء عملية سرد الأحداث على غرار عملية التلقيح الاصطناعي للمرأة وتبييض الأموال والسخرية من بعض الظواهر الاجتماعية التي طغت على مواقع التواصل الاجتماعي والميولات الجنسية التي تعتبر من المحرمات في مجتمعاتنا العربية لكن ما نعيبه على مجدي السميري هو عدم إيلاء هذه المواضيع الأهمية التي تستحق فكانت عبارة عن جملة من المشاهد المسقطة والتي لم تخدم الأحداث حيث توغل في المباشرتية والاسقاطات المبتذلة.

ومن هـنات فيلم "بوليس" غياب الحبكة الدرامية وتسلسل الأحداث وانسجامها وهو ما قد يجعل الملل يتسلل الى المتفرج لولا بعض المشاهد الكوميدية التي أنقذت الموقف في أكثر من مناسبة. ولن نبالغ اذ قلنا أنه رغم مزايا الفيلم وحرفية مشاهد المطاردات والأكشن، فإن ضعف السيناريو وغياب "الخرافة" من أبرز سلبيات العمل وأهمها.

على صعيد ٱخر نلوم على السميري تقليص حجم دور كل من ريم بن مسعود وجميل النجار اللذان تميزا في سلسلة "بوليس حالة عادية" في حين يكادان يكونان مغيبين في النسخة السينمائية مقابل إبراز شخصية الضابط دالي بن عمر التي جسدها نضال السعدي وهنا يجب أن نتوقف قليلا لنقول أنّ أداء السعدي كان من نقاط ضعف العمل فبإستثناء سقوطنا لاإراديا في خانة المقارنة بينه وبين لطفي العبدلي وبطبيعة الحال رُجحت كفة الميزان لصالح العبدلي فقد بدا أداؤه مرتبكا وهزيلا ودون المأمول حيث لم يتمكن السعدي من الخروج من جلباب الأدوار الدرامية الرمضانية التي عودنا بها.

بقى أن نشيد بالأداء المتميز والمتمكن لكل من منى نور الدين والبحري الرحالي فرغم صغر حجم دورهما فانهما أقنعا وبطبيعة الحال للخبرة والتجربة دور في هذا، في حين قدمت الممثلة فاطمة بن سعيدان شخصية مختلفة وطريفة رغم بعض المٱخذ على المباشرتية في طرح موضوع الميولات الجنسية.

عود على بدء، أشرنا وأشدنا بداية حديثنا عن فيلم "بوليس" بذكاء مجدي السميري وهو ما أكده من خلال لمسة الوفاء التي قدمها نهاية الفيلم الى الفنان الراحل ياسر الجرادي بأداء الممثلين لأغنية "ديما" او من خلال تشريك لاعبة التنس أنس جابر في مشهد تكريم رئيس الفرقة المختصة رشيد (كمال التواتي).

ختاما نقول ان فيلم "بوليس" وهو فيلم تجاري بإمتياز والثابت أنه سيجلب جمهورا غفيرا وسيحقق اعلى الايرادات، قد نجح اخراجيا وفشل من ناحية السيناريو والحبكة الدرامية وهو ما يفرض على السميري مراجعته في قادم الأعمال وايلاء اهمية اكثر الى الكتابة فالعمل السينمائي عمل متكامل يجب عدم إسقاط أي ركيزة من ركائزه.

سناء الماجري